مدخل تاريخي موجز

مدخل تاريخي موجز

   لقد نشأت دروس العلم بالمساجد منذ العهود الأولى للدين الإسلامي الحنيف، فغير خاف على أحد أن المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة الذي أسسه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو أول منارة للعلم في الإسلام، ففيه تلقى الصحابة الكرام رضي الله عنهم أنوار الوحي من لدن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.

   وكان من شأنه صلى الله عليه وسلم أن يحدث الناس قائما، وربما أطال القيام كثيرا حتى يشق ذلك عليه، مما استدعى من الصحابة رضي الله عنهم أن يأتوا بجذع نخلة ليضعوه في مكان قريب منه، فكان إذا حدث قائما فطال عليه القيام استند إليه فاتكأ عليه، فلما رآه رجل -كان ممن ورد المدينة- على هذا الحال؛ قال لمن يليه من الناس: لو أعلم أن محمدا (صلى الله عليه وسلم) يحمدني في شيء يرفق به لصنعت له مجلسا يقوم عليه، فإن شاء جلس ما شاء، وإن شاء قام، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ائتوني به) فأتوه به فأمره أن يصنع له هذه المراقي الثلاث أو الأربع، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك راحة...[القصة بتمامها في سنن الدارمي 1/30 ح 32].

   وظل عليه الصلاة والسلام يجلس مجلسه ذاك، يحدث الناس ويعلمهم ويرشدهم إلى أن التحق بالرفيق الأعلى، ليسير أصحابه بعده على النهج ذاته، ثم التابعون، ثم من جاء بعدهم إلى زماننا هذا، فانتشر تعليم الناس بهذه الكيفية في كافة أقطار العالم الإسلامي.

   وفي المغرب، اشتهر جامع القرويين وذاع صيته باحتضانه لدروس العلم والكراسي العلمية، وأقدم رواية في هذا الباب تنص على أن الجلوس للتدريس بهذا الجامع ترجع إلى سنة 515هـ على يد ابن جامع الأنصاري الجياني [د. عبد الهادي التازي تاريخ جامع القرويين2/113 ]

   وتطور ذلك تدريجيا ليبلغ درجة كبيرة من النضج في عصور المرينيين والوطاسيين والسعديين الذين أبدوا اهتماما خاصا بالعلم والعلماء، وأوقفوا أموالا كثيرة على الكراسي العلمية دعما لها وتطويرا لأدائها.

   واستمر الأمر على هذا النحو أيضا في عهد الأشراف العلويين، الذين كان لهم تعلق خاص بالعلم ورجاله، إذ عرفوا بمجالستهم للعلماء ومنحهم مكافآت خاصة زيادة على ما يأخذونه من مستفاد الأوقاف، وتتحدث بعض الدراسات عن ألوان من الإحسان إلى العلماء في هذا العهد المبارك، تشجيعا لهم على تدريس العلم وبثه ونشره بين الناس بمختلف فئاتهم وأعمارهم، (وقد حفظ لنا التاريخ من النماذج في ذلك، أن العلماء كانوا يتلقون منحا مادية ومعنوية، من خزينة الدولة تارة ومن الأحباس أخرى، فمن ذلك ما هو مشاهرة، ومنه ما هو مسانهة، ومنه ما هو عند رأس كل ستة أشهر، فالمسانهة ثور وثلاث قلل زيت – ستون لترا تقريبا- ووسق من جيِّد القمح، وكسوة تحتوي على كساء وبُرنس وقميص مُلفا وفرجية وعمامة. ونصف قيمة ما ذكر عند رأس كل ستة أشهر، ويكون تنفيذ السنوي من القمح والثور غالبا إبان الحصاد، والكسوة في زمن الشتاء؛

   فإن وقع تراخ في دفع ذلك كلا أو بعضا، يكتب العلماء إلى الجلالة السلطانية بطلب المؤخر، ولا يكون جوابهم إلا بالتنفيذ العاجل. وفي كثير من الحالات نجد البر بالعلماء لا يقتصر على أشخاصهم وهم أحياء؛ بل يمتد إلى أسرهم بعد وفاتهم، حيث تخصص لورثتهم إنعامات ملكية. [التفسير والمفسرون بالمغرب الأقصى، سعاد أشقر ص 30-31 ]

   إن الحاجة ماسة اليوم إلى إحياء مثل هذه النماذج، وإلى إعادة الدور التعليمي التنويري للمسجد، وإبراز وظيفة العلماء في تثقيف الناس وتوعيتهم بقضايا دينهم الحنيف، وهذا مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس -أعزه الله- ما فتئ يؤكد على هذا الأمر ويدعوا إليه، يقول في إحدى خطبه: إننا نؤكد على (ضرورة نهوض العلماء والمثقفين وهيئاتهم بمسؤولياتهم في التوجيه والتنوير، وإذا كان من طبيعة الفكر أن يمر بفترات مد وجزر؛ فإنه من غير المقبول جعل أزمة الفكر تترك المجال فارغا للترويج لفكر الأزمة، فبلادنا في أمس الحاجة لبعث صحوة دينية متنورة ونهضة فكرية عصرية... ) [مقتطف من خطاب العرش بتاريخ 30 يوليوز 2007م]  

   إن من حق الأمة على علمائها أن يوفروا لها هذه الحاجة، وأن يحرسوا عقيدتها ومقدساتها من كل ما يشوش عليها أو يهدد أمنها في ذلك، وليس من سبيل إلى تحقيق هذا المطلب الملح، إلا بالعلم الشرعي وتعلمه وتلقيه من أفواه أصحابه الذين هم أهل الشأن والاختصاص، ولعل هذا المشروع الذي نحن بصدده يكون مقدمة تمهد لذلك، في أفق إنشاء هيئة علمية تشتغل عليه على أوسع نطاق وتعمم الاستفادة منه في كل أرجاء الوطن.

الإعداد٬ التنظيم والإنتاج:

partenaire-fondation

الإشراف والمتابعة:

partenaire-AWKAF

الإشراف والمتابعة:

partenaire-MAJLIS A3LA3

تنفيد الإنتاج:

partenaire-TPM2

التواصل:

partenaire-sama-design2